الخميس، 21 أغسطس 2014

هل كان تجنب الحسد هو دافع يعقوب لتوصية بنيه بالدخول من أبواب متفرقة؟!! (لا و الله)

هل كان تجنب الحسد هو دافع يعقوب لتوصية بنيه بالدخول من أبواب متفرقة؟!! (لا و الله)
دائما أقول أن التعامل مع كتاب الله بسطحية، سيظل يبعدنا عن مراد الله و نظل في تخبط و تراجع، إلي أن نتعلم كيفية التعامل بعمق و شمولية (أقصد في تناول الحكمة من القصص القرأني و الامور الاجتهادية، دون التعرض لأي من ثوابت الدين في المحكم و الحلال و الحرام)، و من هنا لزم القيام بتصحيح بعض المفاهيم السائدة التي انتشرت بشكل واسع علي مدي تاريخ الاسلام، و آن الأوان لتناولها من زوايا جديدة و تصحيح ما يمكن تصحيحه، و للوصول لمراد الله سبحانه علينا أن نتحرر من تقديس الغير مقدس، و أن يكون  مقياسنا في ترجيح رأي دون آخر هو قوة الدليل و منطقية الطرح، و ليس شهرة القائل كما هو السائد، و نطبيق مفهوم " يعرف الرجال بالحق، و لا يعرف الحق بالرجال"..
نبدأ في هذا الإطار بموضوع الآية التالية من سورة يوسف:
وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ ۖ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ۖ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۖ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ۖ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67)
أمر سيدنا يعقوب ابناءه الذاهبين الي مصر لجلب المؤن و الطعام هذه المرة (سبق أن ذهبوا )كما هو موضح بالآية أن لا يدخلوا من باب واحد و أن يدخلوا من أبواب متفرقة، دون إبداء الدافع، إذ إحتفظ بالسبب لنفسه، كما هو موضح في الآية التالية:
وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا ۚ وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (68)
ماهي الحاجة التي في نفس يعقوب، بالتأكيد ليست الحسد أو العين للأسباب التالية:
أولا،هذه ليست اول مرة يذهب فيها إخوة يوسف بعشرتهم إلي مصر، فقد كانوا للتو راجعين من مصر، و لم يطلب منهم أبوهم هذا الطلب، و لا أظن ان إنضمام الأخ الحادي عشر، و هو صبي صغير إلي هذا الركب من الفطاحل كان سيصنع الفارق الذي يجعلهم مظنة للتعرض للحسد، فهم لم يحسدوا في الأولي.
ثانيا، انظر الي نتيجة دخولهم متفرقين علي يوسف ماذا انتجت، تأمل الأية:
 وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَىٰ يُوسُفَ آوَىٰ إِلَيْهِ أَخَاهُ ۖ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (69)
إذن أدار يعقوب الأحداث بإحتراف بحيث يمكن إختلاء الشقيقين (بنيامين و يوسف) ليتعرف كل منهما علي الأخر (إذ أن يعقوب هو المحرك الأساسي لأحداث القصة) حيث يعلم بتعليم الله له أن يوسف هو عزيز مصر، و بنيامين ذاهب إليه حسب طلبه، و بالتاكيد لن يتركه يوسف يعود إلي فلسطين، و إنما طلبه ليبقيه، بأي طريقة و لو بتدبير مكيدة سرقة صواع الملك، و كان لا بد من إطلاع الأخ الأصغر بنيامين علي المكيدة التي سيكون متهمها الأول  قبل الشروع فيها حتي لا يتم ترويعه و إخافته و هو صبي صغير في بلاد بعيدة، و ذلك من أجل تسويغ إبقائه بمصر.
فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ ۚ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۖ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ ۗ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76
و تم ترتيب المكيدة بامتياز و أثمرت إبقاء بنيامين، و تلقين الأخوة درسا تمهيدا لإستقبال الشمس و القمر (يعقوب و زوجته)، و رفعهما علي العرش، لتحقيق الرؤيا، و من هنا يكون القصة بدأت برؤيا يوسف عليه السلام، ثم رؤيا صاحبي السجن، ثم رؤيا الملك، و تحقق كل الرؤي كما أولها الصديق يوسف، و ختمت القصة بتحقق الرؤيا الاولي، إذن فموضوع الرؤي و الأحلام معترف به في شرعا، و معمول به، و لكن بشرط أن لا يبني عليه احكاما شرعية.
و قصة يوسف عليه السلام بادارة سيدنا يعقوب عليه السلام، هي قصة الرؤي المتعددة، إذ بدأت برؤيا يوسف و توالت الأحداث حسب الايات:
إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4
وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ ۖ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا ۖ وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ ۖ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ ۖ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46
في الختام تهنئة بتحقق الرؤيا الأولي:
وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100
و بعد تمام النعمة لا بد للمؤمن أن يختهما بالدعاء التالي:
رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101
و ختاما: اللهم علمنا ماينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، اللهم وفقنا لهداك، واجعل عملنا في رضاك، اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه.
فكري عبد السلام 21/08/2014






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق