محطات حاسمة في
تاريخ البشرية
بشكل يومي أقابل أناسا كثيري الشكوي من تدهور أوضاع
الأمة و ينظرون إالي الأمور نظرة يشوبها اليأس، و تصل الأمور أحيانا لمن هم أشد
إخلاصا لدين الله و لكن مع نقص في العلم و الحكمة أن تؤثر الأحداث علي وضعهم
النفسي و الصحي، و بالفعل إذا نظرنا إلي ما ألت إليه الأمور من وجهة نظر إنسانية
بحتة، فإن الأمر يبدو كارثيا، إذ أهل الإيمان أحيط بهم، و تداعت عليهم أمم الأرض
تحرق و تقتل و تدمر و قبل ذلك تحاصر، و أحكام قضائية بالإعدام علي مئات الأشخاص في
قرار واحد، و تنكر القريب و البعيد، و خذلان الصديق و العشير، و إلصاق تهمة
الإرهاب بكل ما هو إسلامي، و تمكن أعداء الدين قريبين و بعيدين من رقاب المسلمين
إلا من بعض من إستطاعوا الفرار و الإستجارة بدول حرة، و إنتشار ثقافة الباطل و
فرضها علي الأمة قسرا لدرجة أن تكون الأم المثالية لدولة لها تاريخها الحضاري
القديم و الإسلامي و الحديث مجرد راقصة، و لكن رغم قتامة الصورة و عدم وجود بارقة
أمل في المدي المنظور علي الأقل ظاهريا، أؤكد و أبشر الأمة جمعاء، أن هذا الهوان
الذي نعيشه حاليا سوف ينجلي قريبا، بل و أزعم هلاك وثن القارونية الكانزة أولا، ثم
تعقبها الأوثان الأخري، وقتها لن ترفع راية الإسلام في قطر دون قطر، و إنما في
العالم الإسلامي كافة، بل علي معظم أمم الأرض، و الأمور الآن في الاتجاه الصحيح، و
لا تتعجل الحكم علي كلامي و تتخيل أنني أبيع الوهم، فما يلي عبارة عن دراسة
استقرائية قرانية تتبني إسقاطا لسنن الله في كونه التي لا تتبدل و لا تتحول علي
الحالة الراهنة، و هذه ليست المرة الاولي في تاريخ البشرية التي يحصر فيها أهل
الحق بهذا الشكل، و لفهم الحكمة و إدراك المراد الالهي من وراء ما نحن فيه ارجو
الانتباه للنقاط التالية:
-ببعثة نبي الله موسي عليه السلام تعدلت السنن الالهية
من كون أن أي أمة تكفر بنبيها كان لا بد من هلاكها عن بكرة ابيها،و لا ينجو إلا
النبي و الذين أمنوا، كما حدث مع نوح، و هود، و صالح، و شعيب، و لوط، عليهم جميعا صلوات
الله و سلامه.
" و قوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم و جعلناهم
للناس أية " الفرقان 37، هذا مثال، حتي إبن نوح الذي لم يركب الفلك، غرق مع
من غرق.
تعدلت السنن إلي قصر الهلاك الدنيوي علي الأنظمة الظالمة
دون الشعوب المستضعفة، فموسي لم يؤمن له إلا ذرية من قومه علي خوف من فرعون و
ملأهم (ملأ بني إسرائيل) أن يفتنهم، أي أن
الشعب المصري لم تتم الاشارة اليه انه كان يهتم بأمر رسالة موسي أصلا، و مع ذلك،
يقول الله " فأخذناه و
جنوده فنبذناهم في اليم، فانظر كيف كان عاقبة الظالمين" القصص 40، بالمناسبة لم يكن مطلوبا من فرعون أن يؤمن بالله و
رسوله، و إنما مهمة موسي عليه السلام كانت إخراج بني إسرائيل من مصر لإنقاذهم من
الإضطهاد الفرعوني " قد
جئتكم ببينة من ربكم أن أرسل معي بني إسرائيل "، و لو كان إستجاب فرعون لهذا الطلب البسيط ما نازعه أحد
في ملكه، و لكنه أبي و إستكبر، رغم إرسال تسع أيات بينات إليه و ملأه.
القانون الالهي السائد اليوم للتمكين في الأرض، يتطلب
توفر الشرطين التاليين أحدهما أو كلاهما:
الأول: "وَنُرِيدُ أَنْ
نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ
الْوَارِثِينَ، وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا
مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6-5) القصص.
الثاني: " وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ
آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا
اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي
ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي
لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ
(55) النور.
و الوضع الحالي يتوفر فيه الشرطان، ايمان و إستضعاف، من هنا
ننتظر انفراط عقد الكفار و إنهيارهم المدوي بيد الله القدير، و لكن بعد إكتمال
تهيئة الساحة للتدخل الإلهي و التي من شروطها التسليم المطلق بعجز أي قوة أرضية عن
تقديم الدعم، و قتها تتدخل السماء كما تدخلت في
المحطات السابقة تاريخيا التالي ذكرها:
وَنُوحًا إِذْ نَادَىٰ مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ
وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (الانبياء76)
قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ
فَاعِلِينَ (68)
قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ (69)
وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (70
وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا
فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (71
وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ
الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ ۗ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ
فَاسِقِينَ (74
فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ
إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61
وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ
رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ
الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ۚ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا
اتِّبَاعَ الظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (157
وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ
يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ
الْمَاكِرِينَ (30
إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ
الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ
لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ۖ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ
بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ
اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40)
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ
عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ
تَرَوْهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا
إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ
وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ
الظُّنُونَا (10
هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا
شَدِيدًا (11
تأمل الأيات السابقة و تدبر حكمة الله في كل موقف، فنوح
كان في كرب جراء استهزاء قومه و إيذائهم له، و إبراهيم ألقوه في النار و كان وحيدا
بلا نصير، و لوطا تعرض للهجوم من قومه لإختطاف الضيف من الملائكة لفعل الفاحشة
بهم، و موسي حصر و من معه من النازحين من قومه فوجدوا البحر أمامهم و العدو خلفهم
بقيادة فرعون، و محاصرة قوم عيسي لبيته لقتله و صلبه بتهمة أنه إبن يوسف النجار، و
محاصرة فتيان مكة لبيت النبي لقتله بضربة رجل واحد ليتفرق دمه في القبائل، و يخرج
مختبئا في الغار و ماكان يفصلهم عنه سوي أن ينظر أحدهم لقدميه، و يخرج مهاجرا من
مكة مع صاحبه و يلحقهم سراقة المدجج بالسلاح و المدفوع بحلم المائة ناقة، و تدبير
بنو النضير لقتله في حيهم في المدينة بتدبير إلقاء حجر ضخم عليه عندما كان في
ضيافتهم، ثم تكالب إثنتان و سبعون قبيلة عربية مدعومة بخيانة يهود الداخل و
المنافقين و خنق المدينة بحصار صارم بغية إهلاك كل من بداخلها جوعا و عطشا بما
فيهم النبي الكريم و إجتثاث الإسلام من جذوره.
مواقف استدعت تدخل السماء، و لم تخذلهم السماء، فنجا نوح
في الفلك، و النار كانت بردا و سلاما علي إبراهيم، و نجي الله لوطا و الذين أمنوا،
و رفع الله عيسي إليه لتطهيره من الذين كفروا، و خرج النبي من بيته فجرا و الفتيان
نيام و لم يفته وضع التراب علي رؤوسهم للذكري، و أعماهم عن رؤيته بالغار، و كفاه
شر سراقة بغوص فرسه في الرمال، و نجاه من كيد بني النضيربإخبار جبريل له بالمكيدة
فغادر المكان قبيل التنفيذ، و في الخندق كفي الله المؤمنين القتال، و تولي الامر
وحده بارسال ريحا و جنودا لم يروها، و جعل كلمة الذين كفروا السفلي، و كلمة الله
هي العليا.
هل إتضحت الحكمة، هل عرفتم متي تتدخل السماء، و الله ما
لكم عذر و هناك تجربة حية نعيشها هذه الأيام بتجلي معجزات اهل غزة، و إذلالهم
لأسطورة عسكرية و رابع جيش في العالم يملك ما يملك من العتاد والدعم اللامحدود من
قيادات العرب و العجم، و الذي هزم جيوش ست دول عربية في ست ساعات من قبل، لماذا لم
تظهر المعجزات في الجولتين السابقتين في 2009 و 2012، تعلمون لماذا، لأن هذه
الأخيرة التي نعيش أحداثها توفرت فيها شروط تدخل السماء، بسبب تآمر كل أمم الأرض
عليهم، و أصبح جليا للقاصي و الداني أن أهل غزة هذه المرة وحدهم ليس معهم إلا
الله، و هم أحسنوا التوكل علي الله فأيدهم بنصره، و تبدل عنوان الصراع من "صراع
حدود " إلي " صراع وجود "، إذ أصبح الهدف عند المجاهدين
ليس حدود 67 و لكن كامل التراب الفلسطيني، و انتقلت المبادرة بشن حرب من يد اليهو
و من هاودهم إلي يد المجاهدين، تماما مثل تصريح الرسول الكريم بعد هزيمة الأحزاب
عندما قال قولته الشهيرة " اليوم نغزوهم و لا يغزونا " أي أن كل
الغزوات السابقة كانت مفروضة علي المسلمين في عقر دارهم، و المسلمون كانوا دائما
في حالة دفاع، و لأول مرة سيتحولوا إلي حالة الهجوم و هذا التطور الإستراتيجي حدث
فقط بعد خوض المسلمين لاصعب إختبار في تاريخهم و هو غزوة الخندق أو الأحزاب التي
سطر لها القرأن الكريم سورة بإسمها تخليدا لذكراها و استخلاص العبر منها الي قيام
الساعة.
بارك الله فيك
ردحذفكلام رائع