الأحد، 17 أغسطس 2014

الفصل بين السلطات ( مبدأ سياسي هام أرساه القرآن الكريم )

الفصل بين السلطات (مبدأ سياسي هام أرساه القرآن الكريم)
وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ (21
إِذْ دَخَلُوا عَلَىٰ دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ ۖ قَالُوا لَا تَخَفْ ۖ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَىٰ سَوَاءِ الصِّرَاطِ (22
 إِنَّ هَٰذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (23
 قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ ۖ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ ۗ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ ۩ (24
 فَغَفَرْنَا لَهُ ذَٰلِكَ ۖ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَآبٍ (25
 يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (26 من سورة ص.
كان داود عليه السلام ملكا نبيا، و كانت دولته فلسطين و عاصمتها القدس، و كانت الدولة ببساطة تركيبتها في هذه المرحلة المبكرة من تاريخ البشرية يصلح أن يتولي رأس الدولة مهام تشريعية و قضائية و تنفيذية، و كان داود الملك النبي عليه السلام مسئولا أيضا عن القضاء و الفصل في المنازعات، و كان عباديا يمتاز بتسبيح خاص تتفاعل معه كائنات الكون " ياجبال أوبي معه و الطير" سبأ 10.. " و سخرنا مع داود الجبال يسبحن معه و الطير" الأنبياء 78، و كان يتلذذ بالعبادة و التسبيح لدرجة أنه كان يتعبد في وقت العبادة، و في غير وقت العبادة، فاستقطع ذلك من وقت وظيفته السياسية و التنفيذية  كخليفة للناس، فكان يؤثر الإختلاء لأوقات طويلة فتفتقد الرعية من يدير أمور دنياها، لدرجة أن إخوة  شركاء في غنم إختلفوا في أمر الشراكة و أرادوا رفع منازعتهم إلي ديوان القضاء، و لكنهم إنتظروا تواجد القاضي في مكتبه لأوقات طويلة، و لم يكن يحضر و الأمر ملح، فقرروا إقتحام خلوته في المحراب فتجازوا الأسوار و دخلوا بغتة علي داود قاطعين عليه خلوته ففزع منهم، و تحت تاثير الرهبة باشر مهام عمله من المحراب، و حكم بالقضية المفصلة في الآيات أعلاه كما تراءي له، و لكن حدث شيء جعله ينتبه أن الأمر كان فيه تقييم إلهي لأدائه المهني، و هنا أدرك المطلوب و إستغفر ربه و خر راكعا (ليس ساجدا كما يزعم البعض) و أناب، و كانت المفاجأة له و لنا أن الله سبحانه يعاتبه لإتباعه هوي نفسه و رغباتها بقضائه الأوقات الطويلة في التعبد، حيث كان يتلذذ بالعبادة و مناجاة الله، متفاعلا معه الكون أيضا بالتسبيح، متناسيا أن  إدارة شئون الرعية و رعاية مصالحها هي نوع عبادة له الأولوية القصوي عند رب العباد، تأتي العبادة (النافلة) في مرتبة تالية، فالأولي تقديم مصالح العباد علي نافلة العبادات، و النبي الكريم يقول " لأن أمشي مع أخي في حاجته حتي أثبتها له، خير لي من أعتكف في مسجدي هذا شهرا" و هذا تنبيه لكل من ولي من أمور الأمة شيئا أن يعلم أنه لايجوز أداء صلاة الضحي و المراجعون ينتظرون علي الشباك، فقضاء مصالح العباد أولي من نافلة العبادات. و لا يجوز للطبيب الجراح تعليق العملية لحين أداء الفرض، معرضا حياة المريض للخطر، و إنما تقدر الضرورة بقدرها، و لا يجوز لفروع البنوك و مكاتب استبدال العملات بالمطارات (كمثال) أن تغلق وقت الصلوات، و إنما الأولي تناوب الموظفين في أداء الصلاة حتي لا تتوقف خدمة المسافرين.
أقول لمن هو دائم السفر للعمرات و الحج، أني أدرك أن التواجد بالبقاع المقدسة له متعته في النفوس، و لا جدال في ذلك، و لكن قياسا علي درس سيدنا داوود أعلاه، جرب أن تواسي بنفقة السفر أهل بيت من اليتامي و الأرامل و المساكين، جرب أن تساهم في تعبيد طريق،  بناء مستشفي، إنشاء مدرسة... و غيرها من العبادات العملية التي تعود فائدتها علي الناس و المجتمع في هذا الزمان الذي إنتشرت في البطالة و الفقر و المرض و العنوسة، و إذا كانت العمرة نافلة، فانا أري أن كفالة اليتيم و القيام علي الارملة و المسكين في هذا الزمان فرض و أولي ألف مرة.

وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (78
 الانبياء. فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ۚ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا ۚ وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ ۚ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (79
تأتي إلي ديوان القضاء (و ليس المحراب حيث تم إستيعاب الدرس) قضية أخري، أحد طرفاها (أصحاب الغنم) الذين لهم سابقة مع داوود، و لكن داوود كان قد فزع منهم، أي وقع في قلبه خوف منهم بإقتحامهم خلوته في المحراب، و من هنا إستلزمت الحكمة الربانية، و العدالة السماوية، أن يعزل سيدنا داوود عن نظر هذه القضية تحديدا، فكيف يحكم في قضية و هو في قلبه خوف من أحد الأطراف، و العدل الإلهي يستلزم أن يحكم في القضية قاض آخر و كان نبي الله سليمان إبن داوود عليهما السلام، و القرآن يؤكد إحالة هذه القضية إلي سليمان (ففهمناها سليمان)، رغم أن داوود عليه السلام هو الأكثر خبرة و الأولي و أنه الأكثر تأهيلا للإضطلاع بالمهمة بدليل قول الله ( و كلا آتينا حكما و علما ).
نستخلص مما سبق ضرورة إستقلالية السلطة القضائية، و فصلها تماما عن السلطة التشريعية و السلطة التنفيذية ، و تمتعها بالحرية التامة و الاستقلالية، و أن لا تكون لها ميول سياسية، و لا تشارك بالعمل السياسي، و توفر لها الدولة شروط الأمان بحيث لا تخشي أحدا، و تحكم بما يتراءي لها بتلقائية و شفافية و حيادية و الحرص علي إرساء مباديء الحق و العدل و المساواة.
و إلا:
وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا ۙ وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا ۚ كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (13)
يونس ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (14)
وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (الكهف 59)
 اللهم اجعل عملنا في رضاك...

فكري عبد السلام

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق